الشيخ محمد السند
52
الغلو و الفرق الباطنية ( رواة المعارف بين الغلاة والمقصرة )
ومن أمثلة المقياس والميزان الذاتي هو الحكم على طبق ما توصّل إليه السير العلمي في العلوم التجربية مثلًا وأنّ ما لم يقف عليه العلم البشري يوضع في بوتقة الأساطير والخرافات والإغراق والتخليط والمنكر من القول والمستبشع من المقال ، وأنّه ليس من أهل الوسطية في الفكر بل من أهل التطرّف عن الاعتدال والخفّة البعيدة عن العقلانية . وقد ترى الراوي يوصف في تراجم الرجاليين بأنّه من الطيّارة وحديثه منكر ولا يخلو من التخليط وصاحب ارتفاع شديد في مذهب الطيّارة وكلّ حديثه زور ونحو ذلك من الأوصاف . وعندما نشير إلى هذا التأثير الذاتي في نمط التفكير والحكم لا نقرّر لذلك ما تذهب إليه مدرسة التشكيك والمذهب السفسطي والنسبية المشككة ، بل ما نقرّره هو تثبيت لضرورة الاحتكام إلى الموازين البديهية في أصل حكم العقل والفطرة وتخطئة الاحتكام إلى الإدراكات النظرية الموشّحة بلباس البديهة والحكم المنطقي والإدراك الوسطي . وقد تقدم أنّ ما توصّلت إليه جملة من العلوم الحديثة والتطورات التي شهدتها والقفزات في العقود الأخيرة ما كان البشر يحكمون بإمكانها في القرون السابقة بل في العقود السابقة من هذا القرن ولو قال بها قائل لرمي بالهذيان والجنون . ومن ثمّ نشاهد أنّ القرآن الكريم يبيّن أنّ موقف الأمم المعاندة لأنبيائها ورسلها هو الحكم على معاجز أنبيائها ورسلها بأنّها سحر أي من التصرّف في الخيال أو كهانة أو شعبذة والجنون أي لم يحكموا بإمكان هذه الأمور ، بسبب خروجها عن قدرة البشر . ويشير إلى هذه الظاهرة القرآن الكريم كما نبّه على ذلك أهل البيت عليهم السلام في رواياتهم « بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ